مقال رأي | لماذا أصبح الذكاء الاصطناعي السيادي ضرورة استراتيجية ملحة في السعودية والإمارات؟

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة: AFP

استمع للمقال
Play

نيك لوماكيس

 

نائب الرئيس الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا في شركة كلاوديرا

تثبت الحوادث الأخيرة في شركتي غوغل وأنثروبيك كيف يمكن لنموذج "الذكاء الاصطناعي كواجهة برمجية عامة" أن يتحول سريعاً إلى مخاطرة تشغيلية.

إن انقطاعات الخدمة والقيود المفروضة على الاستخدام تسلط الضوء على تبعات الاعتماد التي تتحملها الشركات عند استخدام النماذج اللغوية الكبرى العامة، والتي يصعب التحكم فيها. ومن ثمّ، فإن الذكاء الاصطناعي الخاص أصبح مسألة تتعلق بإدارة المخاطر.

لقد كانت الأسابيع القليلة الماضية بمثابة اختبار ضغط لكل من يستعين بالذكاء الاصطناعي كخدمة مستضافة خارجياً.

في البداية، توقفت خدمة "غوغل جيميناي" مؤقتاً عن العمل، وفجأة تعطلت إحدى عمليات الإنتاج بالكامل دون أي تدخل من جانب الشركة. وبُعيد ذلك، حُظر الوصول إلى أحدث نماذج شركة أنثروبيك، "فيبل 5" و"ميثوس 5"، بسبب قيود تصدير فرضتها الحكومة الأمريكية في اللحظات الأخيرة على جميع غير المواطنين الأمريكيين.

وقدمت شركة "أوبن إيه آي" مثالاً آخر عندما طلبت منها الحكومة الأميركية تأخير الإتاحة الواسعة لنموذج "جي بي تي 5.6"، والبدء بدلاً من ذلك بمعاينة تجريبية محدودة لنطاق موثوق قبل توسيع نطاق الوصول لاحقاً.

تكشف هذه الأمثلة عن واقع غير مريح؛ ومفاده أن توفر الخدمة أصبح متغيراً لا يمكن التحكم فيه ولا التفاوض عليه بسبب المؤثرات الخارجية.

وفي سياق مشابه في منطقة الشرق الأوسط، تحتل دولة الإمارات العربية المتحدة حالياً المرتبة الأولى عالمياً، حيث يستخدم 70.1% من سكانها في سن العمل الذكاء الاصطناعي، بينما تتوقع المملكة العربية السعودية أن يسهم الذكاء الاصطناعي بمبلغ 135.2 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. إن الاعتماد على الواجهات البرمجية العامة الأجنبية يعرّض هذا التحول الاقتصادي الكبير لقرارات جيوسياسية تقع خارج نطاق السيطرة الإقليمية.

اختبار السيطرة والموثوقية على التكنولوجيا

من خلال استخدام النماذج العامة، تتعرض الشركات للقرارات والنزاعات الجيوسياسية، والانقطاعات العالمية، والتغييرات الغامضة في المنتجات والأسعار، وهي عوامل تؤثر بالدرجة الأولى على توفر الخدمة والاستقرار التشغيلي.

علاوة على ذلك، هناك جانب تجاري غالباً ما يُؤخذ في الاعتبار متأخراً في العديد من برامج الذكاء الاصطناعي؛ فبينما تزيد نماذج التسعير المتغيرة من فوائد الذكاء الاصطناعي والاعتماد المتزايد عليه، يمكن للتكاليف في الوقت نفسه أن تتصاعد بشكل متسارع، لا سيما مع استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي القائمة على الوكلاء المستقلين.

ويصح هذا بشكل خاص عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد تجربة، بل يصبح جزءاً أصيلاً من سلسلة القيمة. ويوضح توجه "جيت هب كوبايلوت" نحو الفوترة القائمة على الاستخدام التغير الأوسع نحو تكاليف الذكاء الاصطناعي التي تعتمد بشكل متزايد على الاستهلاك الفعلي للنماذج والرموز البرمجية.

كما اكتشفت شركة "أوبر" مؤخراً أنها استنفدت ميزانيتها لعام 2026 بأكملها والمخصصة لأدوات برمجة الذكاء الاصطناعي والرموز البرمجية لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل "كلود كود" بعد أربعة أشهر فقط من تحفيز موظفيها على تبني هذه التكنولوجيا. وتظهر هذه التطورات مدى السرعة التي يمكن أن تتحول بها تكاليف استهلاك الذكاء الاصطناعي المتغيرة والصعبة التنبؤ إلى عبء تشغيلي جسيم.

وللحد من هذه التبعيات الخارجية وتقلبات التكاليف، تعمل دول الخليج بسرعة على بناء قدرات محلية، حيث من المقرر أن تصل الاستثمارات السنوية في مراكز البيانات إلى 6.5 مليار دولار بحلول عام 2030.

وتقود المملكة العربية السعودية هذا التوسع؛ ففي كانون الثاني/يناير، وضعت حجر الأساس لمرفق مراكز البيانات الحكومية "هكساجون" التابع للهيئة السعودية للذكاء الاصطناعي (سدايا) بقدرة 480 ميجاوات، بينما تعمل شركة "هيومين" المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة على بناء القدرات عبر منظومة الذكاء الاصطناعي بأكملها، بدءاً من مراكز البيانات والبنية التحتية السحابية وصولاً إلى النماذج والتطبيقات.

وجمعت شركات الذكاء الاصطناعي السعودية مجتمعة 9.1 مليار دولار عبر ما يقرب من 70 صفقة تمويل في عام 2025. وتوسع دولة الإمارات بشكل مماثل من قدرات مراكز البيانات لديها، والتي يُتوقع أن ترتفع بنسبة 165% بحلول عام 2028، إلى جانب المبادرات الكبرى مثل مجمع "ستارجيت الإمارات" بقدرة 1 جيجاوات ضمن برنامج البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بين الإمارات والولايات المتحدة.

البيانات الحساسة يجب أن تبقى داخل الشركة

في سياق النماذج المستضافة علناً، يجب أيضاً مناقشة قضايا مثل حماية البيانات والكشف عن المعلومات المؤسسية الحساسة والملكية الفكرية. وفي السعودية، يجب النظر في إرسال البيانات الحساسة إلى خدمات الذكاء الاصطناعي الخارجية ضمن متطلبات نظام حماية البيانات الشخصية. وعقب انتهاء المهلة الممنوحة للامتثال في أيلول/سبتمبر 2024، أصبح تطبيق النظام أكثر وضوحاً، حيث تصل العقوبات على المخالفات إلى 5 ملايين ريال سعودي، وقد تتضاعف في حال تكرار المخالفة.

في الوقت نفسه، يصعب على الواجهات البرمجية العامة ضمان تتبع بيانات التدريب والتحقق وسلسلة توريد البنية التحتية بسلاسة، وهو ما تتطلبه أطر العمل الخليجية الصارمة الجديدة، مثل إطار تبني الذكاء الاصطناعي الإلزامي الصادر عن "سدايا" في السعودية، والذي ينظم حوكمة البيانات، ومسؤولية النماذج، والشفافية. وهنا غالباً ما يُبالغ في تقدير مقولة "لدينا عقد يضمن حقنا": فالعقود يمكنها تحديد الالتزامات، لكنها لا تمنع الاضطرابات أو قيود الوصول الجيوسياسية.

إدارة المخاطر بدلاً من الرفاهية

يعالج الذكاء الاصطناعي الخاص هذه المشكلة بالذات؛ إذ يكمن الفارق الرئيسي في التفاعل بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والنماذج، والبيانات. ويمنح الذكاء الاصطناعي الخاص المؤسسات سيطرة أكبر على مكان تخزين البيانات المؤسسية ومعالجتها، والنماذج التي يمكنها الوصول إليها، وكيفية حوكمة تلك النماذج، ومكان إجراء الاستدلال. وبحسب المتطلبات التنظيمية والتشغيلية، قد يمتد ذلك عبر مناطق السحابة العامة، أو السحب السيادية، أو السحب الخاصة، أو مراكز بيانات المؤسسات، أو البيئات المعزولة تماماً عن الشبكة.

يعزز هذا الأمر الأمن، ويحمي الملكية الفكرية، ويخلق التتبع والمراجعة اللازمتين اللذين يزدادان أهمية في عصر السيادة الرقمية. وقبل كل شيء، تحتفظ الشركات بالسيطرة على التوفر والحوكمة والتكاليف.

وهذا التحول يكتسب بالفعل زَخماً في جميع أنحاء دول الخليج؛ فحالياً، تلتزم 17% من المؤسسات في الإمارات والسعودية بعمق باستراتيجيات الذكاء الاصطناعي السيادي، وتحقق عوائد أعلى تصل إلى خمسة أضعاف استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، لأن هذه الإعدادات تتوافق مباشرة مع قوانين البيانات المحلية الصارمة. ويتيح تشغيل الذكاء الاصطناعي في بيئة مملوكة ومحكومة تطوير حلول مخصصة تلبّي أهدافاً وحالات استخدام تجارية محددة، كما أن أتمتة المهام المتكررة تسرّع من عمليات اتخاذ القرار وتزيد الإنتاجية دون المساومة على الأمن أو الامتثال.

ولا يقتصر الذكاء الاصطناعي الخاص على الجانب الدفاعي فقط؛ بل إن تشغيل الذكاء الاصطناعي في بيئة محكومة وخاصة يتيح تطوير حلول مخصصة مصممة وفقاً لأهداف وغايات العمل المحددة.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي الخاص يتطلب غالباً استثمارات أولية أعلى من الخدمات العامة، إلا أن تطبيقه يؤتي ثماره على المدى الطويل؛ حيث تقل التبعية للمزودين الخارجيين، وتخفض التكاليف المستمرة للتخزين والمعالجة والتراخيص، وتصبح هذه التكاليف، قبل كل شيء، أكثر قابلية للتنبؤ. وهذا يثبت أن الذكاء الاصطناعي الخاص ليس مجرد تحسين شكلي، بل هو شرط أساسي لتشغيل الذكاء الاصطناعي بطريقة مستقرة واقتصادية.

النماذج العامة تظل جزءاً من المعادلة

لا تعني السيادة في الذكاء الاصطناعي رفض منظومة الذكاء الاصطناعي العامة بالكامل؛ فستواصل المؤسسات استخدام النماذج التجارية المتقدمة حيثما كان ذلك منطقياً، إلى جانب النماذج المفتوحة والمطبقة بشكل خاص. إن المطلب الاستراتيجي هو حرية الخيار: أي القدرة على اختيار النموذج المناسب لكل عبء عمل دون التخلي عن السيطرة على بيانات المؤسسة، أو حوكمتها أو بنيتها التحتية أو جانبها الاقتصادي.

وتشير الأمثلة المذكورة سابقاً إلى واقع أوسع؛ فالاضطرابات مثل تعطل "جيميناي"، أو قيود الوصول الناجمة عن قرارات جيوسياسية تشمل "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي"، ليست أحداثاً معزولة، بل تعكس المخاطر الأوسع التي تواجهها المؤسسات عندما تصبح معتمدة على منصات الذكاء الاصطناعي الخارجية. ويقدم الذكاء الاصطناعي الخاص مساراً للمضي قدماً من خلال منح الشركات سيطرة أكبر على بيئات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، مما يقلل التعرض للتبعيات الخارجية مع تمكين الابتكار الآمن والممتثل والقابل للتوسع.

لذا، فإن المستقبل ليس صراعاً بين الذكاء الاصطناعي العام والذكاء الاصطناعي الخاص، بل هو ذكاء اصطناعي يتمتع بسيادة تشغيلية: حرية استخدام النماذج والبنية التحتية المناسبة لكل عبء عمل دون الاستسلام أو التخلي عن السيطرة على بيانات المؤسسة أو حوكمتها أو اقتصادياتها.


المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة